هيئة النزاهة.. الرقابة الاستباقية علاج فعال لآفة الفساد

رأي العراق اليوم  

تمثل الرقابة الاستباقية أحد أهم المسارات الحديثة في مكافحة الفساد، لما توفره من قدرة على اكتشاف مواطن الخلل مبكرا، والحد من فرص استغلال الوظيفة العامة، وحماية المال العام قبل تعرضه للهدر أو التجاوز. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية النهج الرقابي الذي يتبناه رئيس هيئة النزاهة الاتحادية، الدكتور محمد علي اللامي، والقائم على تعزيز الدور الوقائي للرقابة، إلى جانب الإجراءات التحقيقية والقانونية اللاحقة.

إن مواجهة الفساد لا تقتصر على ملاحقة المتورطين بعد وقوع المخالفات، بل تبدأ من بناء منظومة رقابية قادرة على رصد المخاطر وتحديد الثغرات الإدارية والمالية التي قد تتحول إلى منافذ للتلاعب بالمال العام. فكلما كان التدخل الرقابي مبكرا، ازدادت فرص منع المخالفة وتقليل آثارها، وتحولت الرقابة من إجراء لمعالجة النتائج إلى أداة فاعلة لمنع الأسباب.

وتكتسب الرقابة الاستباقية أهمية خاصة في المؤسسات الحكومية التي تتعامل مع التخصيصات المالية والعقود والمشروعات الخدمية والاستثمارية، إذ تتطلب هذه الملفات متابعة دقيقة لمراحل التخطيط والإحالة والتنفيذ والصرف، بما يضمن الالتزام بالقوانين والتعليمات، ويحد من فرص تضارب المصالح أو استغلال الصلاحيات الوظيفية.

ومن هذا المنطلق، فإن اعتماد النهج الوقائي في عمل هيئة النزاهة يمثل توجها مهما نحو تطوير الأداء الرقابي، من خلال التركيز على مؤشرات المخاطر، وتعزيز التنسيق بين الجهات الرقابية والمؤسسات الحكومية، وتشخيص مكامن الضعف التي قد تسمح بوقوع المخالفات. كما يسهم هذا التوجه في توجيه الجهود الرقابية نحو الملفات الأكثر عرضة للمخاطر، بدلا من الاكتفاء بالتعامل مع المخالفات بعد اكتشافها.

ولا تعني الرقابة الاستباقية التراجع عن الإجراءات القانونية أو إضعاف المساءلة، بل إنها تكمل الدور التحقيقي من خلال تقليص فرص وقوع الفساد من الأساس، مع ضمان إحالة المخالفات المكتشفة إلى المسارات القانونية المختصة. فنجاح مكافحة الفساد يتطلب الجمع بين الوقاية والمحاسبة، وبين معالجة الثغرات وملاحقة المتجاوزين، ضمن إطار مؤسسي يحفظ حقوق المواطنين ويصون المال العام.

كما أن لهذا النهج بعدا إداريا مهما، يتمثل في تعزيز ثقافة النزاهة داخل المؤسسات الحكومية، وترسيخ مبدأ أن المسؤولية الوظيفية لا تنحصر في تنفيذ الواجبات، بل تشمل الالتزام بمعايير الشفافية والمساءلة وحماية الموارد العامة. وعندما تدرك المؤسسات أن أعمالها تخضع لمتابعة رقابية فاعلة منذ المراحل الأولى، فإن ذلك يشجع على الالتزام بالتعليمات، ويرفع مستوى الانضباط الإداري، ويحد من فرص ارتكاب المخالفات.

وفي المقابل، فإن ترسيخ الرقابة الاستباقية يحتاج إلى تطوير أدوات التحليل والتدقيق، والاستفادة من الأنظمة الإلكترونية والبيانات المالية والإدارية، وتعزيز قدرات الملاكات الرقابية على اكتشاف الأنماط غير الطبيعية في الإنفاق والعقود والمعاملات. فالتطور في أساليب إدارة المال العام يستدعي تطورا موازيا في أدوات الرقابة، بما يجعلها أكثر قدرة على مواكبة المخاطر والتعامل معها بسرعة ودقة.

ويبرز دور قيادة هيئة النزاهة في دعم هذا التوجه، من خلال توجيه العمل الرقابي نحو تحقيق نتائج ملموسة، وتعزيز فاعلية الإجراءات الوقائية، وترسيخ التعاون مع الجهات المعنية. فالمكافحة الحقيقية للفساد لا تقاس بعدد القضايا المكتشفة وحدها، وإنما بقدرة المؤسسات على منع التجاوزات، واسترداد الحقوق، وتقليص فرص تكرار المخالفات، وبناء بيئة إدارية أكثر التزاما بالقانون.

إن استراتيجية الرقابة الاستباقية، التي يتبناها رئيس هيئة النزاهة الاتحادية الدكتور محمد علي اللامي، تمثل مدخلا مهما لتطوير آليات مكافحة الفساد، متى ما اقترنت بالتطبيق المؤسسي الفاعل، والمتابعة المستمرة، والشفافية في تقييم النتائج. فهي تنقل الجهد الرقابي إلى مرحلة أكثر تقدما، يكون فيها الهدف ليس اكتشاف الفساد بعد وقوعه فحسب، بل إغلاق منافذه والحد من أسبابه قبل أن تتحول إلى أضرار تمس المال العام ومصالح المواطنين.

وفي المحصلة، فإن الوقاية من الفساد تظل أكثر فاعلية وأقل كلفة من معالجة آثاره، والرقابة الاستباقية تمثل إحدى الأدوات الأساسية لتحقيق ذلك. فكل ثغرة تُكتشف في وقت مبكر، وكل مخالفة تُمنع قبل وقوعها، وكل إجراء إداري يُصحح في حينه، يشكل خطوة نحو إدارة عامة أكثر نزاهة وكفاءة، ودولة أكثر قدرة على حماية مواردها وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسساتها.