النزاهة ترسم مسارا جديدا لمكافحة الفساد.. الوقاية قبل المحاسبة

رأي العراق اليوم  

لم تعد مكافحة الفساد المالي والإداري تقتصر على كشف المخالفات بعد وقوعها وملاحقة المتورطين فيها، بل باتت الحاجة ملحة إلى اعتماد نهج استباقي يضع الوقاية في مقدمة الأولويات، ويعمل على إغلاق المنافذ التي تسمح بارتكاب جرائم الفساد قبل وقوعها. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الدور الذي تضطلع به هيئة النزاهة في تطوير مسارات عمل تستند إلى مبدأ أن الوقاية خير من العلاج.

إن مراقبة الأداء المؤسسي، ومتابعة الإجراءات الإدارية والمالية، وتشخيص مواطن الخلل، تمثل خطوات أساسية في بناء منظومة رقابية قادرة على الحد من فرص التلاعب بالمال العام، ومنع استغلال الوظيفة لتحقيق المصالح الشخصية. فكلما جرى اكتشاف الثغرات مبكرا، ازدادت فرص معالجتها قبل أن تتحول إلى قضايا فساد تستنزف موارد الدولة وتضر بثقة المواطن بمؤسساتها.

وتكتسب الرقابة الوقائية أهميتها من قدرتها على الانتقال بالعمل الرقابي من رد الفعل إلى المبادرة، عبر متابعة العقود والمشروعات والإنفاق العام، وتعزيز الالتزام بالقوانين والتعليمات، ووضع آليات واضحة للمراجعة والمساءلة. كما أن تحديد نقاط الضعف في الإجراءات الإدارية والمالية يتيح للجهات المعنية اتخاذ تدابير عملية تحد من المخالفات، وتمنع تكرارها، وتقلل فرص استغلال الصلاحيات الوظيفية.

ولا يعني هذا التوجه الاستغناء عن الملاحقة القانونية أو التقليل من أهمية الإجراءات الرادعة بحق المتورطين، بل يمثل تكاملا بين الوقاية والمحاسبة؛ فالإجراءات الاستباقية تحد من فرص وقوع الجريمة، فيما تضمن المساءلة القانونية عدم إفلات مرتكبيها من العقاب. وبهذا التكامل، تصبح مكافحة الفساد أكثر فاعلية واستدامة.

كما أن نجاح هذا المسار يتطلب ترسيخ ثقافة النزاهة داخل مؤسسات الدولة، وتعزيز الشفافية في اتخاذ القرارات، وتفعيل الرقابة الداخلية، وتحديد المسؤوليات بوضوح، إلى جانب حماية المال العام من الهدر وسوء الاستخدام. فمكافحة الفساد ليست مسؤولية جهة رقابية واحدة فحسب، بل هي مسؤولية مؤسسية ومجتمعية تتطلب تضافر الجهود والتزاما حقيقيا بمعايير النزاهة.

إن الرهان الحقيقي أمام هيئة النزاهة يتمثل في تحويل مبدأ الوقاية إلى ممارسة يومية داخل مؤسسات الدولة، بحيث لا تنتظر الرقابة وقوع المخالفة للتحرك، بل تعمل على منع أسبابها ومعالجة منافذها منذ البداية. فكل جريمة فساد يجري منعها تمثل حماية للمال العام، وكل ثغرة يجري إغلاقها تعزز كفاءة مؤسسات الدولة وثقة المواطنين بها.

وبين الرقابة الاستباقية والمحاسبة القانونية، تتحدد ملامح مسار أكثر فاعلية لمواجهة الفساد المالي والإداري؛ مسار يجعل حماية المال العام أولوية دائمة، ويؤكد أن بناء دولة المؤسسات يبدأ بإغلاق أبواب الفساد قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.