بغداد- العراق اليوم: زياد الأمير في الاقتصاد، لا تكفي كثرة حركة الأموال داخل الأسواق للحكم على قوة النشاط الاقتصادي؛ فالدولار نفسه يمكن أن ينتقل من يد إلى أخرى عشرات المرات، بينما يبقى حجم الإنتاج الحقيقي ضعيفا. وهنا تظهر فكرة «دورة المال الوهمية» التي يمكن تبسيطها بقصة الدولار الواحد.
لنفترض أن ثلاثة أشخاص، الأول مدين للثاني بدولار، والثاني مدين للثالث بدولار، والثالث مدين للأول بدولار. لا يملك الثلاثة سوى دولار واحد.
يدفع الأول الدولار للثاني، فيسدد الثاني به دينه للثالث، ثم يستخدم الثالث الدولار نفسه لسداد دينه للأول. يعود الدولار إلى صاحبه الأول، لكن الديون الثلاثة انتهت.
الدولار لم يتضاعف، ولم يدخل إلى السوق دولار جديد، لكنه أدى دورا في تسوية ثلاثة دولارات من الالتزامات بسبب انتقاله بين الأطراف.
هذه القصة البسيطة تساعد على فهم الفرق بين حركة المال وبين خلق الثروة. فالنشاط الاقتصادي الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المرات التي تنتقل فيها النقود، وإنما بما يقابلها من إنتاج للسلع والخدمات، واستثمارات، وتشغيل للعمالة، وزيادة في الإنتاجية.
وفي الحالة العراقية، تبرز أهمية هذا الفرق بصورة خاصة عندما تتركز حركة الإنفاق في الاستهلاك والاستيراد والخدمات قصيرة الأجل، من دون أن تقابلها زيادة مماثلة في الإنتاج المحلي. عندها يمكن أن تبدو الأسواق نشطة، وتتحرك الأموال بين التجار والمستهلكين والشركات، لكن جزءا كبيرا من هذه الحركة لا يتحول بالضرورة إلى طاقة إنتاجية جديدة.
فعندما ينفق المواطن أمواله على سلعة مستوردة، تنتقل النقود إلى التاجر، ثم إلى المستورد، وقد يذهب جزء منها إلى الخارج مقابل استيراد السلعة. وفي حال عدم وجود إنتاج محلي قادر على تلبية الطلب، فإن استمرار الدورة لا يعني بالضرورة توسع القاعدة الإنتاجية داخل البلاد.
المشكلة إذن ليست في دوران المال بحد ذاته؛ دوران المال ضروري لأي اقتصاد حي. المشكلة تبدأ عندما تصبح الدورة منفصلة عن الإنتاج، فيتحول الاقتصاد إلى حركة مستمرة للنقود بين الاستهلاك والتجارة والخدمات، بينما تبقى الزراعة والصناعة والإنتاج المحلي والاستثمار المنتج محدودة.
وهنا يصبح السؤال الأهم بالنسبة للاقتصاد العراقي ليس: كم من الأموال تحركت في السوق؟ بل: ماذا أنتجت هذه الأموال؟
هل أسهمت في إنشاء مصنع؟ هل زادت الإنتاج الزراعي؟ هل وفرت فرص عمل مستدامة؟ هل مولت مشروعا منتجا؟ هل رفعت قدرة الشركات العراقية على المنافسة؟ أم أنها انتهت إلى شراء سلع مستوردة، أو إعادة بيع أصول قائمة، أو الانتقال بين أطراف سلسلة تجارية مغلقة؟
العراق يمتلك موردا ماليا كبيرا من صادرات النفط، لكن التحدي الاقتصادي يتمثل في تحويل هذا المورد من مصدر للإنفاق إلى وسيلة لبناء اقتصاد أكثر تنوعا. فالإنفاق الحكومي يستطيع تحريك السوق، لكنه لا يكفي وحده لبناء اقتصاد منتج إذا لم يتحول جزء منه إلى استثمار في البنية التحتية، والصناعة، والزراعة، والطاقة، والتعليم، والتكنولوجيا، والقطاع الخاص.
ومن هنا، فإن «دورة المال الوهمية» ليست وصفا لكل حركة مالية في العراق، ولا تعني أن الأموال المتداولة بلا قيمة، بل هي فكرة توضيحية تكشف خطرا اقتصاديا محددا: إمكانية أن تكون هناك حركة مالية كبيرة من دون زيادة مماثلة في الإنتاج الحقيقي.
الاقتصاد القوي ليس الاقتصاد الذي يدور فيه الدولار بسرعة أكبر فقط، وإنما الاقتصاد الذي يجعل كل دورة مالية قادرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على إضافة شيء جديد إلى الاقتصاد: سلعة، خدمة، مشروع، وظيفة، إنتاجية أو استثمار.
وفي النهاية، يعود السؤال إلى أصل الحكاية: الدولار الواحد يستطيع أن يسدد عدة ديون إذا تحرك بسرعة، لكنه لا يستطيع أن يصنع ثروة حقيقية وحده.
الثروة تبدأ عندما يتحول المال من مجرد وسيلة للدفع إلى رأس مال ينتج شيئا جديدا.
*
اضافة التعليق
السلة الغذائية تدعم 40 مليوناً.. و90 بالمئة يستعيدون حصصهم المحجوبة
البنك المركزي العراقي : صادرات العراق بلغت 19.55 مليار دولار في الربع الأول من 2026
الذهب يستقر وسط توقعات بإبقاء الفائدة مرتفعة لمدة أطول
رغم تراجعه.. خام البصرة فوق حاجز 90 دولاراً للبرميل
وزير النفط: العراق يتجاوز 3 ملايين برميل تصدير يوميا وخطة لرفع الإنتاج إلى 10 ملايين برميل
المصرف العراقي للتجارة يحسم الجدل بشأن بطاقاته: تعمل داخل العراق وخارجه بلا توقف