دفاعاً عن القطاع العام في العراق بين شعارات “الاشتراكية” وواقع اقتصاد السوق

بغداد- العراق اليوم:

عدنان الصفار

يشكل القطاع العام في العراق الدعامة الأساسية للاقتصاد الوطني، والأساس الذي استندت إليه الدولة العراقية لعقود طويلة في إدارة التنمية وتوفير فرص العمل والخدمات العامة. فمن خلال مؤسسات الدولة الصناعية والإنتاجية والخدمية، ارتبطت مصالح ملايين العمال والكادحين بمصير هذا القطاع، بوصفه الضمانة الأهم لحماية الثروة الوطنية ومنع احتكارها من قبل قوى الفساد والاحتكار والطفيليات الاقتصادية.

لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن القطاع العام في العراق لم يسر يوماً في طريق معبد وخالٍ من الأزمات، بل عاش وما يزال يعيش تناقضات عميقة، تراكمت عبر عقود طويلة، وازدادت حدة بعد عام 2003، حتى باتت تهدد دوره الاقتصادي والاجتماعي.

ومن أبرز مظاهر هذه الأزمة استمرار الترسبات الإدارية القديمة وهيمنة العقلية البيروقراطية على إدارة مؤسسات الدولة، إلى جانب غياب الإرادة الوطنية الجادة لبناء صناعة وطنية حقيقية قادرة على تحقيق التنمية وتوفير فرص العمل وحماية الاقتصاد من التبعية والاستيراد المفرط. كما ساهمت المحاصصة السياسية والفساد المالي والإداري في إضعاف مؤسسات القطاع العام وتحويل العديد منها إلى ساحات للهدر وسوء الإدارة بدلاً من أن تكون أدوات للإنتاج والتنمية.

إن هذه الاختلالات لم تكن مجرد أخطاء إدارية عابرة، بل تحولت إلى ذريعة تستغلها قوى الرأسمالية الطفيلية وصقور الخصخصة للطعن بقدرة الدولة على إدارة الاقتصاد الوطني، وللتشكيك بإمكانية تحقيق العدالة الاجتماعية عبر القطاع العام. والأسوأ من ذلك أن بعض الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومات العراقية جرى تسويقها على أنها “خطوات اشتراكية”، بينما ظل الاقتصاد العراقي في جوهره خاضعاً لقوانين السوق الرأسمالية، من عرض وطلب واحتكار وأسعار وربحية، دون وجود تخطيط اقتصادي حقيقي يضع مصالح العمال والكادحين في المقدمة.

وهنا وقع الخلط الكبير بين مفهوم الاشتراكية الحقيقي وبين واقع الإدارة الاقتصادية في العراق. فالاشتراكية ليست مجرد توسيع شكلي لدور الدولة أو سيطرة الحكومة على بعض المؤسسات، بل هي قبل كل شيء نظام اقتصادي واجتماعي يقوم على العدالة الاجتماعية، وحماية حقوق العمال، والتوزيع العادل للثروة، وتوجيه الاقتصاد لخدمة المجتمع لا لخدمة الاحتكارات والفئات الطفيلية.

أما ما جرى ويجري في العراق، فهو في كثير من الأحيان استخدام لاسم الدولة والقطاع العام لتغطية سياسات اقتصادية مرتبكة، اختلطت فيها مصالح الفساد والمحاصصة مع ضعف التخطيط وانعدام الرقابة، الأمر الذي أدى إلى تشويه صورة القطاع العام نفسه لدى بعض المواطنين.

ومن هنا، فإن الدفاع عن القطاع العام لا يعني الدفاع عن الفساد أو البيروقراطية أو سوء الإدارة، بل يعني الدفاع عن حق الشعب العراقي في اقتصاد وطني منتج، وعن حق العمال في العمل اللائق والاستقرار الوظيفي والضمان الاجتماعي، وعن حق البلاد في امتلاك صناعتها الوطنية وقرارها الاقتصادي المستقل.

إن الحركة النقابية العمالية في العراق تنظر إلى القطاع العام باعتباره ملكاً للشعب، وليس عبئاً عليه. وترى أن إصلاح هذا القطاع يبدأ بمكافحة الفساد، واعتماد الكفاءة والنزاهة في الإدارة، وإطلاق مشاريع التنمية الصناعية، وحماية المنتج الوطني، وإشراك العمال والنقابات في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

إن مستقبل العراق الاقتصادي لا يمكن أن يبنى على اقتصاد ريعي هش أو على الخصخصة العشوائية، بل على تنمية وطنية حقيقية يكون فيها القطاع العام ركيزة أساسية إلى جانب قطاع خاص منتج يخضع للقانون ويحترم حقوق العمال ويعمل ضمن رؤية وطنية تخدم مصالح المجتمع.

ولهذا، فإن معركة الدفاع عن القطاع العام هي في جوهرها معركة دفاع عن السيادة الوطنية، وعن العدالة الاجتماعية، وعن حقوق الطبقة العاملة العراقية في حياة كريمة ومستقبل أفضل.