من الشمّ إلى اللمس.. تقنيات تنقل التجربة الرقمية إلى عالم الحواس

بغداد- العراق اليوم:

تخيّل أن تتصفح متجرًا إلكترونيًّا فتتمكن من شمّ رائحة العطر قبل شرائه، أو أن تشاهد مقطعًا عن غابة فتشعر بملمس أوراقها عبر جهاز متصل بهاتفك. فما كان يبدو يومًا جزءًا من الخيال العلمي بدأ يتحول إلى مجال بحث وتطوير، مع محاولات لإضافة حاستي الشمّ واللمس إلى تجارب الإنترنت، التي اعتمدت لعقود على الصورة والصوت بالدرجة الأولى.

وتفتح هذه الابتكارات الباب أمام شكل مختلف من التفاعل الرقمي، لا يكتفي بعرض المعلومات أو محاكاة المشاهد، بل يسعى إلى تقريب التجربة الافتراضية من الإحساس بالعالم الحقيقي. ومع ذلك، لا تزال هذه التقنيات تواجه تحديات تتعلق بالدقة والتكلفة وسهولة الاستخدام، قبل أن تصبح جزءًا مألوفًا من الحياة اليومية.

الإنترنت متعدد الحواس

تقوم فكرة الإنترنت متعدد الحواس على دمج وسائل تقنية تحاكي الحواس البشرية داخل التطبيقات والأجهزة الرقمية. فإلى جانب الشاشات والسماعات، يعمل الباحثون على تطوير أدوات قادرة على إطلاق روائح محددة أو توليد إحساس بالضغط والاهتزاز والملمس، بما يتيح للمستخدم التفاعل مع المحتوى بطرق أكثر واقعية.

وتستند هذه التجارب إلى أجهزة متخصصة وبرمجيات تتحكم في توقيت المؤثرات وشدتها، بحيث تتزامن مع ما يظهر على الشاشة. ويمكن، على سبيل المثال، ربط رائحة معينة بمشهد افتراضي، أو استخدام قفاز إلكتروني لمحاكاة مقاومة جسم عند لمسه في بيئة رقمية.

نقل الروائح 

يمثل الشمّ أحد أكثر المجالات تعقيدًا في هذا التطور، إذ لا يكفي إرسال بيانات رقمية إلى جهاز آخر، بل يتطلب الأمر وسيلة مادية لإنتاج جزيئات الرائحة وإيصالها إلى المستخدم. وتعتمد بعض الأنظمة التجريبية على وحدات صغيرة تحتوي على مواد عطرية، تطلق كميات محددة منها عند تلقي أوامر إلكترونية. ويمكن التحكم في توقيت الإطلاق ومزج روائح مختلفة لإنتاج تجارب متعددة، مع الحاجة إلى إدارة مخزون المواد وتنظيف الأجهزة ومنع اختلاط الروائح غير المرغوب فيها.

وقد تفتح هذه التقنية آفاقًا في التجارة الإلكترونية، خصوصًا في تجربة العطور ومستحضرات التجميل، كما يمكن توظيفها في التدريب والمحاكاة والترفيه. لكنها لا تزال بحاجة إلى تحسين سرعة الاستجابة ودقة إعادة إنتاج الروائح، فضلًا عن معالجة اختلاف إدراك الأشخاص للروائح نفسها.

اللمس الرقمي 

على الجانب الآخر، تتقدم تقنيات اللمس الرقمي، المعروفة باسم اللمس الحسي Haptics، من خلال أجهزة تولّد اهتزازات أو ضغطًا أو مقاومة ميكانيكية، لتمنح المستخدم إحساسًا بالتفاعل مع عناصر غير مادية.

وتشمل هذه التقنيات وحدات الاهتزاز في الهواتف وأجهزة التحكم، إلى جانب قفازات وملحقات متخصصة تسعى إلى محاكاة ملمس الأسطح أو قوة الإمساك بالأجسام الافتراضية.

ويعمل الباحثون كذلك على وسائل تستخدم الموجات فوق الصوتية أو التحفيز الكهربائي لتوليد إحساس باللمس من دون الحاجة دائمًا إلى ارتداء أدوات ضخمة.

ويمكن لهذه الابتكارات أن تعزز الألعاب والواقع الافتراضي، وتساعد على تدريب الجراحين، وتطوير أنظمة التحكم عن بُعد، فضلًا عن تحسين بعض وسائل الوصول الرقمي للأشخاص ذوي الإعاقة.

تحديات تقنية

ورغم الإمكانات الواعدة، فلا تزال التجارب متعددة الحواس تواجه عقبات عملية، أبرزها ارتفاع تكلفة بعض الأجهزة، واستهلاك الطاقة، وصعوبة توحيد التجارب بين المنصات المختلفة. كما أن محاكاة الإحساس البشري بدقة تتطلب تنسيقًا متقدمًا بين البرمجيات والمكونات المادية.

وتبرز أيضًا اعتبارات تتعلق بالسلامة والخصوصية، خصوصًا عند استخدام أجهزة قريبة من الوجه أو أنظمة تتطلب جمع بيانات عن استجابات المستخدمين.

ومع تطور الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي والأجهزة القابلة للارتداء، قد تصبح الحواس جزءًا أكثر حضورًا في التفاعل الرقمي مستقبلًا. لكن الانتقال من النماذج التجريبية إلى الاستخدام اليومي سيعتمد على قدرة الشركات على تقديم تجارب آمنة ومقنعة وبأسعار مناسبة.