النزاهة الاتحادية.. مؤسسة وطنية فوق الميول والاتجاهات

رأي العراق اليوم  

لا تُقاس قيمة المؤسسات الوطنية بحجم صلاحياتها فحسب، بل بقدرتها على أداء مسؤولياتها باستقلالية ومهنية، بعيداً عن الميول والاتجاهات، وبما يضمن حماية المصلحة العامة وترسيخ ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة. ومن هذا المنطلق، تبرز هيئة النزاهة الاتحادية بوصفها مؤسسة وطنية معنية بمواجهة الفساد، وحماية المال العام، وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة.

إن مواجهة الفساد ليست مهمة إدارية محدودة، ولا مسؤولية جهة بعينها بمعزل عن بقية مؤسسات الدولة، بل هي معركة وطنية تتطلب عملاً مؤسسياً متكاملاً، وإجراءات مهنية تستند إلى القانون والأدلة، وتتعامل مع الملفات بمعيار واحد، بعيداً عن الاعتبارات الشخصية أو السياسية.

وفي هذا السياق، يبرز دور الدكتور محمد علي اللامي في ترسيخ رؤية تقوم على أن تكون هيئة النزاهة مؤسسة مهنية شاملة، تتجاوز الاصطفافات والاتجاهات، وتضع المصلحة الوطنية في مقدمة أولوياتها، بما يعزز قدرتها على أداء دورها الرقابي، ويسهم في بناء بيئة مؤسسية أكثر التزاماً بالقانون والنزاهة.

إن ترسيخ هذا النهج يعني أن معيار العمل ينبغي أن يكون القانون، وأن تتقدم الوقائع والأدلة على الانطباعات، وأن تخضع الملفات لمتطلبات التحقيق المهني والإجراءات القانونية، من دون انتقائية أو تمييز. فالمؤسسة التي تستمد قوتها من استقلالية قراراتها وعدالة إجراءاتها تكون أكثر قدرة على حماية المال العام، ومحاسبة المتورطين بالفساد وفق القانون، وتعزيز ثقة المجتمع بعملها.

ولا تقتصر مهمة النزاهة على متابعة المخالفات بعد وقوعها، بل تمتد إلى دعم جهود الوقاية من الفساد، وتطوير آليات الرقابة، وتعزيز ثقافة النزاهة داخل مؤسسات الدولة، بما يحد من فرص استغلال الوظيفة العامة أو توظيف الموارد الحكومية خارج أهدافها المشروعة.

إن العراق، وهو يسعى إلى ترسيخ الاستقرار وتحسين الخدمات وتطوير الاقتصاد، يحتاج إلى مؤسسات رقابية فاعلة تعمل وفق رؤية وطنية واضحة، وتتمتع بالقدرة على أداء مسؤولياتها بعيداً عن الضغوط، مع الالتزام الكامل بالضمانات القانونية وحقوق جميع الأطراف.

ومن هنا، فإن الرهان على هيئة النزاهة الاتحادية يتمثل في قدرتها على تحويل المهنية والاستقلالية إلى ممارسة يومية ملموسة، تُترجم إلى إجراءات عادلة، ونتائج قابلة للقياس، ومؤشرات واضحة في حماية المال العام والحد من الفساد.

فالنزاهة ليست شعاراً يُرفع، بل منهج عمل ومسؤولية وطنية. وكلما ابتعدت المؤسسة عن الميول والاتجاهات، واقتربت من القانون والحقائق، ازدادت قدرتها على أداء رسالتها، والمساهمة في إنقاذ مؤسسات الدولة من آثار الفساد، وترسيخ دولة تقوم على العدالة والمساءلة واحترام المال العام.