السوداني وعقلانية الخطاب السياسي والاقتصادي

رأي العراق اليوم  

لم تكن إدارة الخلافات السياسية والاقتصادية، في تجربة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، مجرد مواجهة للمواقف المتباينة، بل ارتبطت بأسلوب في الخطاب يقوم على تجنب التصعيد، والابتعاد عن المهاترات، والتعامل مع التحديات بلغة سياسية تحاول إبقاء أبواب الحوار مفتوحة.

وخلال توليه رئاسة الحكومة، برز هذا الأسلوب في خطابه السياسي الذي اتسم، في محطات عدة، بالهدوء وتجنب الانجرار إلى السجالات المباشرة، في وقت كانت فيه البلاد تواجه تحديات اقتصادية وضغوطا إقليمية وتعقيدات داخلية تتطلب إدارة دقيقة للمواقف والتوازنات.

إن عقلانية الخطاب السياسي لا تعني التنازل عن الحقوق أو تجنب المواجهة عند الضرورة، كما لا تعني الصمت إزاء الأزمات، بل تتمثل في اختيار التوقيت المناسب، وتقدير نتائج المواقف، وتقديم المصالح العامة على ردود الأفعال الآنية. وفي بلد مثل العراق، تتشابك فيه المصالح السياسية والاقتصادية، تكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في الحد من التصعيد وتهيئة الظروف للتفاهم.

ويمتد هذا النهج إلى الخطاب الاقتصادي، الذي يحتاج إلى الوضوح والمصارحة والابتعاد عن الوعود غير المدروسة، لأن القرارات الاقتصادية تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، وتنعكس على مستوى معيشتهم وثقتهم بمؤسسات الدولة. ومن هنا، فإن قيمة الخطاب الاقتصادي لا تقاس بنبرته وحدها، بل بقدرته على تفسير القرارات، وتوضيح آثارها، وربطها بإجراءات عملية تخفف الأعباء عن المواطنين.

ولا ينتهي هذا الأسلوب بانتهاء المسؤولية الحكومية؛ إذ يواصل السوداني التعامل مع المشهد السياسي من موقعه في قيادة ائتلاف الإعمار والتنمية، حيث تظل إدارة العلاقات مع القوى السياسية، والتعامل مع الاختلافات، وتقديم المواقف بلغة بعيدة عن الاستفزاز، من العناصر المهمة في العمل السياسي.

فالائتلافات السياسية لا تُدار بالشعارات وحدها، وإنما تحتاج إلى خطاب قادر على الجمع بين وضوح الموقف ومرونة الحوار، وبين الدفاع عن الرؤى السياسية واحترام حق الآخرين في الاختلاف. وكلما ابتعد الخطاب عن الشخصنة والمزايدات، ازدادت فرص النقاش الجاد حول البرامج والقرارات والنتائج.

وفي المحصلة، تظل عقلانية الخطاب السياسي والاقتصادي معيارا مهما عند تقييم التجارب الحكومية والسياسية، لكنها تكتسب معناها الحقيقي حين تقترن بالإنجازات القابلة للقياس، والشفافية في عرض النتائج، والقدرة على معالجة المشكلات التي تواجه المواطنين. فهدوء الخطاب خطوة مهمة، غير أن الاختبار الأهم يبقى في ترجمة المواقف إلى سياسات ناجعة ونتائج ملموسة تخدم العراق والعراقيين.