هل يمكن إبطاء الشيخوخة في 4 أسابيع؟ دراسة تكشف السر

بغداد- العراق اليوم:

هل يمكن أن يتغير العمر البيولوجي للجسم خلال أسابيع قليلة فقط؟ سؤال حاول باحثون من جامعة سيدني الإجابة عنه من خلال تجربة غذائية مضبوطة، وأظهرت نتائجها أن تغيير نوعية الطعام لمدة 4 أسابيع فقط ارتبط بتغيرات في مؤشرات فسيولوجية مرتبطة بالشيخوخة لدى كبار السن.

النتيجة لا تعني أن الإنسان يستطيع «إرجاع عمره» في شهر واحد، إذ يؤكد الباحثون أن ما رصدوه يمثل تغيرًا في مؤشرات مرتبطة بالحالة الفسيولوجية للجسم، وليس دليلًا على عكس عملية الشيخوخة نفسها أو إطالة العمر.

الدراسة، التي قادتها كيتلين أندروز من جامعة سيدني ونُشرت في مجلة «Aging Cell» في أبريل 2026، أعادت تحليل بيانات تجربة سريرية عشوائية تعرف باسم «التغذية من أجل حياة صحية».

وشملت التجربة 104 أشخاص تتراوح أعمارهم بين 65 و75 عامًا، وجرى توزيعهم عشوائيًا على أربعة أنماط غذائية لمدة 4 أسابيع، مع توفير جميع الوجبات للمشاركين.

وكانت الأنظمة الأربعة مختلفة في مصدر البروتين ونسبة الدهون والكربوهيدرات، ما سمح للباحثين بفحص ما إذا كان تغيير تركيب الغذاء يمكن أن ينعكس سريعًا على المؤشرات التي تستخدم لتقدير الحالة الفسيولوجية المرتبطة بالعمر.

كيف قاس العلماء «العمر البيولوجي»؟

لم يعتمد الباحثون على عدد السنوات التي عاشها المشاركون، فالعمر الزمني لا يمكن تغييره بالطبع، وإنما استخدموا ما يعرف بـ«طريقة كليمر-دوبال» لتقدير مؤشر مرتبط بالعمر البيولوجي.

وتعتمد الطريقة على مجموعة من المؤشرات الحيوية التي تعكس وظائف مختلفة في الجسم، ثم تستخدم خوارزمية إحصائية لتقدير مدى اختلاف الحالة الفسيولوجية للشخص عن عمره الزمني.

وفي أحد نماذج القياس المستخدمة في الدراسة، شملت المؤشرات سكر الدم، والألبومين، والكوليسترول الكلي، والبروتين المتفاعل سي، والكرياتينين في البول، وضغط الدم الانقباضي. كما استخدم الباحثون نموذجًا أوسع ضم عددًا أكبر من المؤشرات، من بينها الإنسولين، والدهون الثلاثية، ومحيط الخصر ومؤشر كتلة الجسم.

4 أنظمة غذائية تحت الاختبار

قسم الباحثون المشاركين إلى أربعة أنماط غذائية رئيسية.

الأول كان نظامًا يعتمد على الأغذية الحيوانية والنباتية مع نسبة مرتفعة من الدهون، واختُصر باسم OHF.

أما الثاني فكان يعتمد أيضًا على الأغذية الحيوانية والنباتية، لكنه غني بالكربوهيدرات، وحمل اسم OHC.

والنظام الثالث كان شبه نباتي وغنيًا بالدهون، وعُرف باسم VHF، بينما كان الرابع شبه نباتي وغنيًا بالكربوهيدرات، وحمل اسم VHC.

وجرى تثبيت نسبة الطاقة القادمة من البروتين عند 14% في الأنظمة الأربعة، مع اختلاف نسب الدهون والكربوهيدرات ومصادر البروتين بينها. وكانت الوجبات تصل إلى المشاركين عبر برنامج لتوفير الطعام طوال فترة التجربة.

أي نظام ارتبط بالتغير الأكبر؟

كان النظام الغني بالكربوهيدرات مع تناول الأغذية الحيوانية والنباتية معًا، المعروف باسم OHC، هو النظام الذي أظهر انخفاضًا ذا دلالة إحصائية في مؤشر «العمر النسبي» مقارنة بالنظام OHF.

كما أظهرت المجموعتان شبه النباتيتين، سواء الغنية بالدهون أو الكربوهيدرات، انخفاضًا في المؤشر نفسه مقارنة بالنظام المرجعي، لكن لم تصل جميع هذه الفروق إلى مستوى الدلالة الإحصائية.

وفي التحليل الذي استخدم مجموعة محددة من المؤشرات الحيوية، بلغ الفرق المقدّر بين مجموعة OHC ومجموعة OHF نحو 3.5 سنوات في مؤشر δAge، لكن هذا الرقم لا يعني أن المشاركين أصبحوا أصغر عمرًا فعليًا بثلاث سنوات، بل يعكس تغيرًا في المؤشر الحسابي المستخدم لتقدير الحالة الفسيولوجية المرتبطة بالعمر.

لماذا كان تأثير النظام الآخر محدودًا؟

لاحظ الباحثون أن نظام OHF كان الأقرب إلى الأنماط الغذائية التي كان المشاركون يتبعونها قبل دخول التجربة، وهو ما قد يفسر عدم ظهور تغير مهم في مؤشر δAge لدى هذه المجموعة.

في المقابل، تضمنت الأنظمة التي ارتبطت بانخفاض المؤشر تغييرات أكبر مقارنة بالنظام الغذائي المعتاد للمشاركين، من بينها زيادة الألياف وتغيير كمية الدهون ومصادر البروتين، إلى جانب زيادة تناول بعض الأطعمة الكاملة والفواكه والخضراوات والبقوليات.

لكن الدراسة لا تسمح بفصل تأثير كل عنصر غذائي بصورة مستقلة؛ فالأنظمة الغذائية تغيرت في أكثر من جانب في الوقت نفسه.

هل أصبح المشاركون أصغر سنًا فعلًا؟

هنا تكمن أهم نقطة في نتائج البحث.

الباحثون أنفسهم يحذرون من وصف النتائج بأنها «عكس للشيخوخة». فعدد من المؤشرات الحيوية المستخدمة في حساب العمر البيولوجي يمكن أن يتغير خلال أيام أو أسابيع استجابة للطعام والالتهاب والتمثيل الغذائي وغيرها من العوامل.

وبالتالي، فإن انخفاض مؤشر العمر البيولوجي بعد 4 أسابيع قد يعكس تحسنًا سريعًا في بعض الوظائف الفسيولوجية، وليس بالضرورة تباطؤًا دائمًا في عملية الشيخوخة.

وتقول الدراسة إن هناك حاجة إلى تدخلات غذائية أطول لمعرفة ما إذا كانت هذه التغيرات تستمر، وما إذا كان استمرارها يرتبط فعلًا بانخفاض مخاطر الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر.

الكربوهيدرات ليست كلها متشابهة

ومن التفاصيل المهمة التي تمنع إساءة تفسير النتائج أن النظام الغني بالكربوهيدرات المستخدم في التجربة لا يعني تناول كميات كبيرة من السكريات والحلويات.

يوضح الباحثون أن الكربوهيدرات في الأنظمة المدروسة كانت مضبوطة في إطار التجربة، وكانت تعتمد بدرجة كبيرة على مصادر كاملة وأقل معالجة.

لذلك لا يمكن استخدام نتائج الدراسة للقول إن أي نظام غذائي مرتفع الكربوهيدرات سيؤدي إلى النتيجة نفسها، خصوصًا الأنظمة الغنية بالسكريات والكربوهيدرات المكررة.

ماذا نعرف بعد هذه الدراسة؟

تكشف التجربة أن الجسم قد يستجيب لتغيير النظام الغذائي بسرعة أكبر مما قد توحي به فكرة أن الشيخوخة عملية لا تتغير إلا على مدى سنوات.

لكنها في الوقت نفسه لا تثبت أن تغيير الطعام لمدة شهر يمكن أن يطيل العمر أو يمنع أمراض الشيخوخة.

فالنتائج جاءت من مجموعة محددة نسبيًا من كبار السن، واستمرت التجربة 4 أسابيع فقط، كما أن الباحثين استخدموا مؤشرًا حسابيًا للحالة الفسيولوجية المرتبطة بالعمر، وليس مقياسًا مباشرًا لعدد السنوات التي سيعيشها الشخص.

ولهذا يرى الباحثون أن الخطوة التالية هي إجراء دراسات أطول وأوسع لمعرفة ما إذا كانت التغيرات التي ظهرت خلال الأسابيع الأربعة تستمر مع الوقت، وما إذا كانت تتحول بالفعل إلى انخفاض في مخاطر أمراض القلب والتمثيل الغذائي وغيرها من الأمراض المرتبطة بالتقدم في السن.

وفي النهاية، لا تقدم الدراسة وصفة سحرية لإيقاف الشيخوخة، لكنها تضيف دليلًا إلى أبحاث متزايدة تشير إلى أن نوعية الغذاء يمكن أن تؤثر في مؤشرات فسيولوجية مرتبطة بالعمر خلال فترة قصيرة نسبيًا، بينما لا يزال السؤال الأكبر مفتوحًا: هل تستمر هذه التغيرات إذا استمر النظام الغذائي لأشهر أو سنوات، وهل تتحول إلى فائدة صحية طويلة الأمد؟