عائلة عبد الكريم قاسم تخرج عن صمتها وتتحدث: الزعيم تبرع بدمه لإنقاذ حياة الملك فيصل الثاني بعد إصابته يوم 14 تموز ؟

بغداد- العراق اليوم:

شهدت حياة عبد الكريم قاسم، (21 تشرين الثاني 1914 – 9 شباط 1963) وهو رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة العراقية ووزير الدفاع بالوكالة من عام 1958 إلى 1963، العديد من الاحداث السياسية والامنية، والتي ذكر التاريخ جزءاً كبيراً منها، بينما بقيت أجزاء أخرى من حياته لم تر النور.

عبد الكريم قاسم، يعدُّ أول حاكم عراقي بعد الحكم المَلكي، وأحد قادة ثورة 14 تموز، وهو من عائلة فقيرة تسكن محلة المهديّة في شارع الكفاح (غازي سابقا)، لأب مُسلم سُنّي يَعمل نَجاراً، والأم من عائلة شيعية تميمية، ولديه شقيقان هما حامد ولطيف، وله أُختان، أمينة ونجية.

دخل عبد الكريم قاسم مَدرسة الصويرة الابتدائية وأمضى فيها أربع سنوات ثم عاد إلى بغداد وأكمل تعليمَهُ الابتدائي والثانوي هُناك، وبعد تَخرجه عَمل معلماً في قضاء الشامية، ومن ثَم دَخل السِلك العَسكري.

في عام 1932 أُعلن عن حاجة الجيش العراقي لضُباط جُدد، فَدخل عبد الكريم قاسم الكُلية العَسكرية وتخرج منها بتفوق في يوم 15 نيسان عام 1934 برتبة مُلازم ثانِ، وتَدرج في رتبته إلى أن وَصل إلى رُتبة زعيم رُكن أصبحت الآن عميد ركن، وكان آخر مركز شغَلهُ في المؤسسة العسكرية هو آمر اللواء التاسع عشر، وشارك في العديد من الحروب والحركات مثل حرب فلسطين وحركات الفرات الأولى، كذلك شارك في حركة مايس التَحررية، وشارك في العديد من الدورات العَسكرية، وحصل على العديد من الأوسمة، وفي التقارير التي وَردت عنه أنه ضابط ركن جيد خلوق جداً.

هذا الحوار مع المتبقي من  عائلة عبد الكريم قاسم، حيث قالت خولة محمد صالح القيسي، تولد 1943، وهي ابنة الاخت الكبرى للزعيم، امينة قاسم: “اتذكر ملامحه وكلامه جيدا عندما يأتي ونلتقي به، ومن الامور التي اتذكرها انني خرجت مع اتحاد الطلبة (الشيوعي) في تظاهرة (السلم في كردستان) حيث كان في التظاهرة الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في شارع الرشيد، ومن هناك ذهبنا الى وزارة الدفاع، ومن ثم اخبروا الزعيم ان ابنة اخته شاركت في التظاهرة، وبعدها بيومين سألني ماذا كنت اعمل؟ قلت له شاركت في تظاهرة السلم في كردستان.. فابتسم وصاح على أمي ضاحكاً: أمينة تعالي شوفي بنتچ تطلع مظاهرة ضد خالها، ثم التفت لي وقال: بابا ان شاء الله يتحقق السلم)!

ولن انسى كلامه هذا”.

وتروي خولة القيسي عن خالها ايضاً، انه “كان كثير المشاغل وعندما تسنح له الفرصة يأتي الى زيارتنا، حيث جاء الى بيتنا ثالث يوم بعد ثورة 1958 عندما تم قتل نوري السعيد، علما ان منطقتنا المهدية بشارع الكفاح كان يوجد بها مناضلون، مثل قاسم عبد الجبار وفاضل المهداوي وعبد الجبار المهداوي، والعديد من الوطنيين والاحرار، حيث كان يتردد الزعيم عبد الكريم قاسم على بيتنا في فترات متباعدة، بسبب انشغالاته”.

“سحل نوري السعيد”

“كنت في بعض الاحيان اراه في بيت خالي حامد، عندما يصدف ان نتواجد سوية، حيث كان يأتي وقتها لأخذ قيلولة”، حسب قولها، مبينة انه “عندما حصلت الثورة كنا لا نعرف شيئاً. فجأة طرق الاهالي بابنا وقالوا ان الزعيم عبد الكريم قام بثورة. تفاجأنا مما حصل، وقمنا بتهيئة انفسنا وبدأ الناس بالتوافد الى بيتنا”، منوهة الى ان “الاهالي كانوا ينتظرون مجيء الزعيم عبد الكريم قاسم الى بيتنا، لمشاهدته، وفي ثالث يوم الثورة جاء الى بيتنا ومعه وصفي طاهر وفاضل المهداوي الذي تربطه صلة قربى لكونه ابن خالة الزعيم.

وقتها كنت صغيرة السن فشاهدنا الاهالي يقومون بسحل نوري السعيد باتجاه باب المعظم وقت الظهيرة تقريباً، فعدت واخبرت الزعيم بما يجري، فغضب بشدة واحمرت عيناه من الغضب متسائلاً: شنو سحل؟”.

وتضيف: “قلت له لا ادري. قال لي من قام بالسحل؟ قلت بعض الاهالي. وفوراً أبلغ وصفي طاهر بالذهاب خلفهم ووضع حد لما يقومون به وتدارك الامر، رافضا اي شيء من هذا القبيل”.

رفضه الزواج

أما بخصوص عدم زواجه، أوضحت خولة القيسي ان “امي كانت اخته الكبيرة، وهي من قامت بتربيته. لذا فكلما كان يأتي الينا قبل الثورة، كانت امي تطلب منه الزواج، لكنه يقول ان الوقت لم يحن بعد”، مبينة: “عندما زاد اصرار والحاح امي، قال أوجدوا لي فتاة مناسبة.

 قلت له هنالك معلمة لدينا ومن اصول محترمة واخيها ضابط، فقال اعرف هذا الضابط. اذهبوا لرؤيتها، فذهبت امي وخالتي ام رعد وزوجة خالي حامد لرؤيتها فاعجيوا بالبنت وعرف أهلها ما نوينا القيام به، ورحبوا بنا”، لافتة الى ان “عمر الفتاة وقتها تقريباً نحو 26 أو 28 سنة”.

واشارت الى ان “الزعيم عندما يعود من منصورية الجبل يوم الخميس يأتي الى بيتنا أولاً لمدة نصف ساعة على الاقل، ومن ثم يذهب الى بيته في منطقة العلوية. وقتها قالت له أمي انهم ذهبوا وشاهدوا الفتاة وانها جيدة وجميلة وتناسبه، فقال مازحاً هاتوا لي بجنسيتها وشهادة جنسيتها وصورتها، واريد ان اعرف طولها، لكنه قال لوالدتي اتركي الموضوع، وعندما سألته عن السبب، قال هنالك شيء في بالي اريد ان انجزه أولاً”.

خولة القيسي، لفتت الى انه “وفي ثالث يوم من الثورة قالت له امي ان ما أردته في بالك قد تحقق، اما الان فيجب ان نفكر بزواجك. فقال أي زواج ولماذا؟ قالت له نريد ان يكون لديك اولاد، فأجاب ان الشعب العراقي كلهم اولادي. اترين هؤلاء الفقراء في الصرايف، من ابوهم؟ انا ابوهم. انا اريد ان انقذهم من هذه الحالة لذا لا مجال لي للزواج”، موضحة: “قمنا بعد ذلك بغض النظر عن الموضوع خصوصاً بعدما قال ان لديه مسؤوليات كبيرة”، مردفة ان “الفتاة تزوجت من بعد ذلك، علما انها كانت معلمتي بمادة الجبر والهندسة”.

وبخصوص سكنه وتنقلاته، تذكر خولة القيسي ان “الزعيم ولد في منطقة المهدية، وعندما كان ضابطاً في منصورية الجبل، كان لديه بيت في البتاويين مستأجر بالسنة بمبلغ 300 دينار، وأنا اتذكره فقد كان بيتاً بسيطاً، علما ان البيت هدمته امانة بغداد بعد انقلاب 8 شباط”، مضيفة انه “خلال اوقات الفراغ كان يلتقي في مكان يسمى شريف حداد في شارع الرشيد، وهو أشبه بالمقهى، يجلس الضباط فيه. وفي أيام الخميس يأتي الينا ويزور بيت اخيه حامد، على أن يعود الجمعة ليلاً الى منصورية الجبل”.

علاقة عبد الكريم قاسم مع الكرد

وتروي القيسي عن علاقة خالها مع الكرد، بالقول ان “الاستعمار هو من أجج الاحداث مع كردستان وحفزوا التفرقة بين العرب والكرد”، مبينة: “خرجنا بتظاهرة سلمية سنة 1959 تأييداً للسلم في كردستان وحملت اللافتة بيدي، وشاهدني وقتها سكرتيره واخبر الزعيم بالتظاهرة السلمية، التي بدأت من الباب الشرقي مروراً بشارع الرشيد، وانتهاء بمبنى وزارة الدفاع، حيث سلمناهم الطلبات. فسألني الزعيم: اين كنت اول أمس؟ فقلت له في التظاهرة. فسألني من كان معك في التظاهرة؟ فقلت الجواهري وعزيز شريف وتوفيق منير ورابطة المرأة العراقية واتحاد الطلبة، حيث كنت وقتها تقريباً طالبة في الاعدادية”.

واوضحت انها شاركت ايضاً في مؤتمر الشبيبة الديمقراطية، برفقة اتحاد الطلبة ورابطة المرأة العراقية، منوهة الى انها تزوجت في سنة 1971 وأنجبت بنتين اثنتين.

“كباب أربيل”

وتروي خولة القيسي بعضاً من تفاصيل حياته اليومية، بالقول ان “الزعيم عبد الكريم قاسم، كان بسيطاً جداً في الأكل ونوعية الطعام، ففي الصباح كان يحب وجبة فطور مؤلفة من كوب حليب مخلوط ببيض، وفي بعض الاحيان كان يتناول الباجة عند مطعم الحاتي المعروف، وفي مطعم كباب اربيل قرب وزارة الدفاع أيضاً، وعندما يأتي اليه وفد زائر يرسل بطلب الكباب من المطعم المذكور”، مبينة ان “الزعيم سبق له ان زار كردستان ولاسيما عند افتتاح سد دربندخان، كما زار السليمانية وغيرها من الأماكن في كردستان”.

وتضيف انه “عندما جاء الزعيم الملا مصطفى بارزاني الى بغداد، استقبله الزعيم عبد الكريم قاسم ومنحه بيتاً في بغداد”، مبينة ان “الاستعمار تدخل وتسبب بهذه التفرقة، وكان عبد الكريم قاسم يتألم مما جرى، وكانت مشاعره ودية مع الكرد ويحبهم”.

مجزرة قصر الرحاب

بشأن الاحداث التي جرت في قصر الرحاب عام 1958، أوضحت القيسي: “كنا نحب الملك، لأنه صغير السن ولا حيلة بيده، وسألت أمي الزعيم: ما ذنب هذا الطفل ليقتل؟ فأجاب الزعيم والدموع بعينيه: والله لم أعط أوامر بقتله”، موضحة ان “عبد الكريم قاسم لم يكن راضياً عن قتل الملك، بل ان عبد السلام عارف هو من وقف وراء ذلك، حيث حدث خلاف بين الزعيم وعبد السلام عارف حول قتل العائلة المالكة، وذهب الزعيم الى المستشفى وتبرع بدمه للملك، علماً انه لم يمت بل بقي تحت العلاج قبل وفاته”.

محاولة الاغتيال

أما بخصوص محاولة الاغتيال التي تعرض لها عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد، في السابع من تشرين الاول عام 1959، قالت ان “الزعيم كان خارجاً بالسيارة مع سائقه كاظم، رحمه الله، ولم نعرف شيئا حتى صاح الناس (الزعيم أصيب.. الزعيم أصيب)، فجن جنوننا ولم نعرف ماذا نفعل”، مضيفة انه “تم نقله الى مستشفى العلوية (السلام) حيث كان هنالك أطباء روس في ذلك الوقت”.

وبينت ان “عبد الوهاب الغريري كان يحمل بيده قنبلة، كان يعتزم رميها على الزعيم عبد الكريم قاسم، لكن قاسم ارداه قتيلا برصاصة، فانفجرت القنبلة عليه”، مشيرة الى ان “الزعيم الملا مصطفى بارزاني جاء مسرعاً الى غرفة عبد الكريم قاسم، للاطمئنان عليه بعد محاولة الاغتيال التي تعرض لها عبد الكريم قاسم”.

ونوهت الى ان “امي عاتبته بعد الحادثة بالقول: لماذا تفسح المجال لهم هكذا؟ فأجابها بطيبة قلبه المعروفة: أولادنا وزعلوا علينا”.

بشأن ملعب الشعب الدولي، ذكرت خولة القيسي، أن “مبعوث شركة كولبنكيان، زار عبد الكريم قاسم عندما تم ترفيعه الى درجة لواء، لتقديم هدية له، بمناسبة ترفيعه، فقال قاسم: اريد بناء ملعب رياضي للشعب العراقي بدلاً من الهدية”.

انقلاب 1963

أما بخصوص تلقي نبأ الانقلاب على عبد الكريم قاسم، تقول خولة القيسي: “كنا في منطقتنا ببغداد الجديدة عندما جاء خبر الانقلاب عام 1963، فخرجنا من البيت وذهبنا الى بيت خالتي في منطقة البتاويين، فقام الحرس القومي بالهجوم على بيتنا ونهبوا الاغراض من البيت، وجلسوا فيه واصبح مقرا لهم”، منوهة: “لدينا اصدقاء في منطقة الكرادة بقينا عندهم، بينما تم أخذ اخي الضابط الطيار ومعه 11 ضابطاً، وقاموا برميهم، ولم يعطوننا الجثة، لكن الموظفين في الطب العدلي عرفوه ودفنوه”.

“بعدها ذهبنا وشاهدنا مكان الدفن، بدلالة وجود سعفة قرب القبر، وقال لنا موظفو الطب العدلي انه يعز علينا ان لا تعرفوا مكان القبر”، وفق قولها، مشيرة الى ان “مكان القبر الان في مقبرة الغوالي في منطقة باب الشيخ، بينما اخوه حامد سجن لمدة سنتين ومن ثم توفي، في حين تم سجن اخواني صبحي ومؤيد، والأخير تعرض للسجن مرتين، وارادوا اعدامه لكن بتدخل عدة اطراف لم يعدم”.

واشتكت خولة القيسي من ان “أسرة عبد الكريم قاسم لا تملك راتباً ولا وظيفة، وقد أخذوا البيت منا في وقتها، وبقينا بحسرة اللقمة، كما تم فصلي من المدرسة، وسلبوا الرتبة العسكرية من أخي مؤيد”، مستدركة انه “ورغم كل ذلك وبعد 2003 لم نحصل على حقوقنا، حيث وجّه رئيس الجمهورية الأسبق جلال طالباني بمنح عائلة عبد الكريم قاسم مبلغاً قدره 55 الف دولار، وتسلمنا المبلغ بعد 11 شهراً على أساس انه راتب شهري، لكن تم قطع المبلغ، ولا نعرف السبب بهذا الاجراء المتخذ من ديوان الرئاسة”.

وتابعت انه “تم تدفن جثة عبد الكريم قاسم في منطقة العامل بأطراف بغداد، ومن ثم بدأ الناس بمعرفة المكان وقاموا بزيارته ونصبوا له العزاء في المكان المذكور، لذا عرفت الحكومة وقتها بذلك فقاموا بنقل الجثة ورميها في نهر دجلة، وفق ما اخبرونا بذلك في وقتها”، مؤكدة ان “عبد الكريم قاسم لم يكن طائفياً أبداً، علما انه ابيه كان سنياً وأمه شيعية، وعلاقته مع الكرد الفيلية كانت مميزة ويتعامل معهم ويتعاملون معه مثل الاهل”.

مقتل العائلة المالكة

من جانبه، يقول مؤيد محمد صالح (تولد 1944) وهو لاعب دولي سابق وابن اخت عبد الكريم قاسم، ان “الزعيم عبد الكريم قاسم عاتب عبد السلام عارف بسبب التصرف بهذا النحو مع العائلة الملكية، علما ان عارف كان مسؤولاً على لواء 20 بينما عبد الكريم قاسم كان متجحفلاً في لواء 19 القادم من جلولاء، فقال الزعيم لعارف بلهجة حادة جداً: انت المسؤول على التأمين واتفقنا على تأمين العائلة المالكة ومن ثم تسفيرهم. أجاب عبد السلام عارف: هذا هو حال الثورات التي تحصل في كل بلدان العالم. وقال ايضاً: ذيل الكلب لا يستقيم”، في اشارة الى العائلة المالكة.

وأضاف ان “الزعيم لم يكن راضياً على هذا الموقف نهائياً، بحيث اخته امينة عندما عاتبته في البيت على ما جرى في قصر الرحاب، ادمعت عيناه، وقالت له: لماذا قمتم بهذا الشيء مع الطفل؟ فقال: ام صبحي.. هل تتوقعين ان اقوم بهذا الشيء؟ فأقسم لها انه لم يكن في بغداد وقتها، بل مع اللواء في جلولاء، وسمع من النداء ان هنالك اطلاق نار ضد العائلة المالكة، على اعتبار ان الحرس الملكي اثار طلقة او اثنتين، لذا قام اتباع عبد الستار العبوسي بفتح النار عليهم”.

مشادة بين قاسم وعارف

“عندما وصل الزعيم عبد الكريم قاسم الى بغداد حصلت مشادة كلامية بين عبد السلام عارف وعبد الكريم قاسم، فقال الاخير له: لماذا اطلقتم النار وهم بحمايتك وضمن قاطعك الامني؟ فقال عارف: عبد الستار العبوسي هو من فتح النار، وهو ليس من ضمن اللواء الخاص بي. فقال له الزعيم لماذا لم تلق القبض عليه اذن؟ فرد عبد السلام عارف: ذيل الكلب لا يستقيم”، حسب تعبيره وقتها، في اشارة الى ارتياحه لمقتل العائلة المالكة.

مؤيد محمد صالح، رأى أن “هذه الحادثة كانت بداية نقطة الخلاف بين الزعيم وعارف، وهي من جعلت الزعيم ينفرد بالحكم ويضرب كل الضباط الاحرار بسبب خيانتهم العهد، لأن الثورة لا يعلم بها احد، والتحرك كان من عبد السلام عارف باللواء 20 كان تحركاً قانونياً على أساس أنه سيخرج باتجاه سوريا، لذا بدلاً من الخروج باتجاه شمال بغداد استدار حول قصر الرحاب، كما ان هنالك مجموعة طوقوا الاذاعة فسيطروا عليها ونجح الانقلاب، وبعدها بساعتين ونصف حدثت ثورة، وخرجت الجماهير كلها الى الشارع، وفي هذه الاثناء لم يكن الزعيم عبد الكريم قاسم في بغداد بل كان متجحفلاً مع لواء رقم 19 ومن ثم أنجح الثورة بمساندته للواء 20”.

صالح، رأى أن “عبد السلام عارف هو أول رجل طائفي في العراق، بحيث انه لم يكن نادماً على مقتل العائلة المالكة، بينما استنجد عبد الكريم قاسم بالاطباء لانقاذ الملك الصغير، كما وتبرع له بالدم، ولم تكن لديه النية بقتل العائلة المالكة، بل حجزها ومن ثم تسفيرها الى الاردن حصراً”.

أما بشأن الاحداث البارزة التي رافقته، قال صالح: “كنت لاعبا في نادي السكك (الزوراء حالياً) واصابني نوع من الفخر والغرور وقتها لاسيما وانني كنت فتياً وخالي هو الزعيم. في احدى الايام ذهبت مع والدتي من بيتنا في محلة المهدية الى زيارة الحاجة نجية بمنطقة العلوية في سيارة اجرة (تكسي)، فقام السائق بغلق المذياع، وكان وقتها الزعيم عبد الكريم قاسم يلقي خطبة، فقال سائق الأجرة كلاماً سيئاً بحق الزعيم ووالدته بصوت هادئ من دون ان يشعر أننا سمعناه. انتبهت له، وبدلاً من الذهاب الى بيت الحاجة نجية قلت للسائق ان يتوجه الى مركز شرطة العلوية، وفور وصولنا قمت بضرب سائق التكسي، فسألني مدير المركز على ما يحصل، فقلت له انني ابن اخت الزعيم وهذا الشخص قام بشتم الزعيم واخته جالسة معنا في السيارة”.

وأوضح انه “تم ادخال سائق الأجرة الى السجن، وقمت بأخذ أمي الى بيت الحاجة نجية، ومن ثم عدت الى حياتي الطبيعية، وكأن شيئاً لم يكن”، مضيفا انه “وبعد أقل من ثلاثة ايام تم طرق بابنا، وانا كنت وقتها مرتدياً بيجامة بيضاء وفانيلة، فرأيت قاسم الجنابي مرافق الزعيم، فسحبني وقال لي ان الزعيم يريدك كما انت، ومن ثم اخذوني الى وزارة الدفاع في باب المعظم، وادخلوني الى الزعيم، والذي كانت لديه مقابلة مع احدى الشخصيات، ووقتها نظر الي بنظرة غضب”.

صالح، اشار الى ان “الزعيم عبد الكريم قاسم وبخني بحدة وقال لي: ما الذي فعلته؟ وانا أجبته بخوف: لم اعمل شيئا. فقال لي: كيف لم تفعل شيئا؟ اعد حساباتك. وأجبته بنفس الاجابة، ثم اعاد السؤال علي مرتين، فقام الزعيم بصفعي صفعة قوية اوقعتني على الارض، فسألته: لماذا تضربني؟ فقال لي: ما الذي قمت به مع سائق الأجرة؟ فتذكرت الحادثة وقلت له: لقد شتمك. فقال: ان الناس يشتمون حتى الله فمن انا مقارنة بالله؟ انسان غير راض عني، ما دخلك انت؟ وعلى أي اساس تأخذه للسجن؟ وقال لي بعدها أنه سيعاقبني عقوبة لن أنساها مدى الحياة، وأكد لي ان الشعب لديه الحق بالكلام والتعبير عن حقوقه، وانت عمرك 15 سنة وقمت بسجن هذا الشخص لمدة 3 ايام، ولم تسأل نفسك من سيقوم باعالة اسرته خلال هذه الايام؟ فنادى الحرس وقاموا بسجني، ولولا امي لبقيت لمدة اطول من ذلك في السجن”.

دورة الضباط مقابل اللعب للقوة الجوية

أما بشأن حياته الكروية، قال مؤيد محمد صالح: “كنت لاعبا في نادي السكك وتم تعييني على مصلحة السكك كموظف، وفي عام 1962 جاء الي نادي القوة الجوية لتمثيل النادي باعتباري لاعباً دولياً، فوافقت مقابل أن يتم ادخالي دورة الضباط لأكون ضابطاً، فوافقوا على ادخالي سلك القوة الجوية”.

واوضح ان “ادارة نادي القوة الجوية اخبرتني وقتها انه لعدم وجود دورة للضباط في وقتها، سيمنحوني رتبة ضابط صف، لحين الدخول الى دورة الضباط، لكن ومع اكمالي الدورة حدث انقلاب 8 شباط الاسود، فأرسلوا علي من قيادة القوة الجوية وسألوني: هل انت ابن اخت قاسم؟ فقلت: نعم انا ابن اخت الزعيم. فردوا علي بلهجة حادة: اي زعيم؟ زعيم عليك وليس علينا. بعد عدد من الايام تتخرج كضابط وتريد ان نأت بعميل جديد الى الحكومة؟ فقام بتمزيق الفايل ورميه بوجهي، ووجّه بنقلي الى الجيش وقال: ستبقى نائب ضابط وتموت كنائب ضابط، وليس بامكانك التقاعد متى ما تريد، ومن ثم تم سوقي الى الجيش كنائب ضابط، وبقيت كذلك حتى مع مجيء صدام حسين والى حين رحيله، علماً انني من اوائل الضباط بالقوة الجوية واكملت الدورة”، مبينا ان “عائلتنا لم تنضم الى أي حزب، وبقيت وطنية”.

“ثلثين الولد عالخال”

اللاعب الدولي السابق مؤيد محمد صالح، ذكر أيضاً: “كان لقبي بين الجماهير الرياضية هو صاحب الضربة الصاروخية، وفي احدى المباريات بملعب الشعب الدولي سجلت هدفاً لفريق القوة الجوية بمرمى الزوراء فردد الجمهور هتافات (ثلثين الولد عالخال)، فخفت وقتها من ان يتم أخذي، وفور ان نويت الصعود بسيارة النادي تم أخذي مثلما توقعت صوب الامن العامة، وهناك قاموا بتعذيبي بشكل كبير رغم ااني طلبت منهم اخراجي لأنني لم افعل اي شيء خاطئ”.

أما بخصوص علاقة عبد الكريم قاسم مع الكورد، قال مؤيد محمد صالح: “كعائلة عبد الكريم قاسم، لدينا علاقة وطيدة مع الزعيم الملا مصطفى بارزاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني والسياسيين الكورد، وهم قريبون منا، ونحن واياهم بسفينة واحدة وقضيتنا نضالية”، مؤكداً أن “الزعيم مسعود بارزاني يحب الزعيم عبد الكريم قاسم لأنه وطني، وعائلتنا تحضر المناسبات مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ويربطنا قاسم مشترك هو الظلم الذي نعاني منه بسبب تاريخنا النضالي”.

وتابع ان “عبد الكريم قاسم استقبل الزعيم ملا مصطفى بارزاني، عام 1958 تقريباً، استقبالاً رسمياً وشعبياً مثل استقبال رؤساء الدول، وهنالك مقولة تاريخية ومعروفة للزعيم قال فيها (أوصيكم بعدم التفرقة.. العرب والأكراد شركاء في هذا البلد) كما انطلقت اهزوجة في تلك الحقبة (هه ر بژى كورد وعرب رمز النضال)”، مشددا على ان “غالبية الكورد يحبون عبد الكريم قاسم، لكونه رجلاً مناضلاً ووطنياً، ودخل ببدلته العسكرية وخرج من الدنيا بها”.

متنفس للأحزاب اليسارية

ورأى مؤيد محمد صالح ان “الأوضاع في وقتها أدت الى متنفس قوي للحزب الشيوعي وباقي الاحزاب اليسارية، وقاموا بترديد شعارات وكذلك الاحزاب اليسارية الاخرى التي شعرت برفع الطوق عنها، واصبحت حرة، في حين ان الزعيم عبد الكريم قاسم كانت لديه نظرة ستراتيجية أبعد من هذه الامور تتمثل ببناء دولة مؤسسات”.

ومن المفارقات التي عاشها عبد الكريم قاسم، يروي مؤيد محمد صالح، ان “المرافقين لعبد الكريم قاسم، كانوا يحملون رواتبهم معهم، لأن الزعيم كان يقترض منهم، وفي احدى المرات قال له وصفي طاهر ان راتبك انتهى.. هل تدرك ذلك ام لا؟ فابتسم الزعيم”، مشيرا الى ان “الزعيم عبد الكريم قاسم كان يأخذ راتباً واحداً نظير رتبته العسكرية، علماً انه كان القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع وفق الجدول العسكري والسلّم الاداري الصحيح”.

يذكر ان الانقلابيين أقدموا في 9 شباط من عام 1963 على إعدام عبد الكريم قاسم بعد أن تَم إلقاء القَبض عليه قبل ظهر اليوم الثاني من الانقلاب، في قاعة الشعب التي التجأ إليها بعد انتهاء معركة وزارة الدفاع لصالح القطعات العسكرية المُحاصرة لها.

واعتقل وقتها عدد من الضباط المُهاجمين عبد الكريم وبعض معاونيه، وسيقوا إلى مقر قيادة الانقلاب في دار الإذاعة والتلفزيون، وبعد محاكمة صورية لم تستمر سوى دقائق أعدم قاسم والآخرون في الساعة الواحدة بعد الظهر رمياً بالرصاص.

علق هنا