عزيز الحاج في المقبرة

بغداد- العراق اليوم:

بقلم إنعام كجه جي / صحافيّة وروائيّة عراقيّة

عاش عزيز الحاج 94 عاماً مضطربة ما بين الشرق والغرب، ومات في باريس. وفيها سيدفن، غداً. عجوز شائب شحّ بصره وكلّت أذناه، لم يسمع باسمه أبناء هذه الألفية. لكن الرجل كان، قبل عقود، سياسياً عربياً ملء السمع والبصر. وصل إلى اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي العراقي، وقاد أكبر انشقاق في تاريخ الحزب. ولستُ هنا بصدد كتابة نعي له أو تقييم مسيرته. هذا ليس مجالي. لكنني أسترجع موقفاً من المواقف التي تدهشني عن طبقات النفس البشرية.

شغل عزيز الحاج منصب سفير العراق لدى «اليونيسكو» لثلاثين سنة. كان من أنشط السفراء العرب، وأكثرهم عناداً. واظب على تأليف الكتب الأدبية والسياسية المستقاة من سيرته وتجاربه. ولفت نظري واحد منها يناجي فيه قطه الأثير. وكان الكتاب الذي طبعه على نفقته مزيناً بصور ملونة. مات القط «ريمي» وترك صاحبه يكابد آلام الفقدان. قرر أن يدفنه في مقبرة القطط والكلاب قرب باريس. اشترى له عدة أشبار، وكان يزوره بانتظام. والقبور في هذه البلاد ليست أبدية. عقد الإيجار عشر سنوات قابلة للتجديد.

ذات يوم، اتفقت مع عزيز الحاج أن أرافقه في زيارته للمقبرة. تواعدنا في محطة المترو، وانطلقنا نحو ضاحية آنيير، شمال العاصمة. جاء يحمل كيساً من أكياس التسوق، به قنينة ماء وبعض خرق القماش. مررنا بحديقة قطف منها أزهاراً وأغصاناً ووضعها في الكيس. وصلنا الروض الفسيح، ورحّب به حارس المقبرة. سبقني متعجلاً كمن يذهب للقاء حبيب. سرت أتبعه وأنا أطالع قبوراً ترقد تحتها كائنات مدللة. قرأت على الرخام الثمين عبارات مذهبة تعبّر عن المحبة والشوق وألم الفراق. عواطف لا يحظى بها راحلون من البشر. وعندما وصلنا مرقد «ريمي» جثا صاحبه على ركبتيه، وراح يغسل القبر ويمسح عنه الغبار وينثر عليه الأزاهير. كان يخاطبه بصوت عال مثلما تخاطب والدة فلذة كبدها. يعاتبه لأنه مضى وتركه.

تحرّجت من التطفل على لحظات خاصة جداً. انتحيت جانباً أتفرج على مشهد روائي متكامل الأركان. هذا الرجل الملتاع هو نفسه المناضل الذي عرف المطاردات والمعتقلات. القيادي الشيوعي الذي جاء به البعثيون من السجن إلى مقابلة بثها تلفزيون بغداد، ربيع 1969. في تلك المقابلة الشهيرة التي حاوره فيها محمد سعيد الصحاف، كشف الحاج أسماء رفاق له في التنظيم. قامت القيامة واعتبره الشيوعيون خائناً. أما هو، فقد اعترف في مذكراته أنها كانت سقطة سياسية كبيرة. كتب: «فاجأني الصحاف بسؤال عن أعضاء القيادة. وبدلاً من المداورة، كأن أقول مثلاً: أنتم تعرفون الأسماء لأنهم معي في المعتقل، فإنني أوردت أسماء بعض المعتقلين. والمتفرج الذي لم يكن مطلعاً على الأمور تصور حتماً بأنني أشي برفاقي. ومهما بلغ حجم التجني، فإنني أتحمل كامل المسؤولية عن تلك السقطة التي دفعت ثمنها غالياً جداً».

رأيت إنساناً متهماً بخيانة الرفاق يؤدي طقوس الوفاء لحيوان ميت. يغسل ويلمّع شاهدة رخامية في مقبرة القطط. هو ذاته الشيوعي السابق الذي زاره صدام حسين في المعتقل. تناقش معه وأطلق سراحه. وافق على تعيينه في باريس. وكتب عزيز الحاج في مذكراته: «بعد خروجي من السجن، حضر صدام إلى بيتي ماشياً مع الحرس. وشعرت بإحراج شديد لأن أثاثنا كان قديماً. وجاءتنا أمي بالشاي. وبقي معي نحو الساعة. وقد رددت على الزيارة بزيارته في مكتبه بالمجلس الوطني».

في ذلك اليوم المشمس البعيد، كان سفير العراق لدى «اليونيسكو» ينتحب على قبر «ريمي»، وهو قلق: «مَن الذي سيدفع ثمن قبر البزّون من بعدي؟».

 

علق هنا