هدوء يسبق العاصفة ؟ أم لاعاصفة تأتي ؟!

بغداد- العراق اليوم:

فرهاد علاءالدين

دخلنا العام الجديد وتبادلنا التهاني وتمنينا للاحبة و الاصدقاء عام مليء بالسعادة والبهجة والهدوء والاستقرار على جميع الاصعدة، والذي مازال يتسم بهدوء سياسي وأمني على غير العادة.

النقاش الحاد حول التشكيلة الوزارية خصوصا الوزارات الامنية والمرشحين لهذه الوزارة او تلك بل ان الجدل كاد ان يختفي حول احقية تلك الكتلة بالموقع الفلاني وأحقية هذه الشخصية بالمنصب الفلاني.

حتى ان الجدل الصاخب حول العقوبات الايرانية وما صاحبها من ضجيج بين مدافع ومهاجم ومن التزم جانب الصمت لم يعد له صدى، حتى أن تجديد الاستثناء لمدة ٤٥ يوما مرت مرور الكرام دون أدنى أهتمام.

الحديث حول فتح المنطقة الخضراء وسط مخاوف وارتياح اصبح هو الآخر من الماضي ولم يعد يحتل صدارة النشرات الاخبارية في حين نرى جميعا معالم بغداد تظهر شيئا فشيئا بعدما كانت غائبة خلف الاسوار الكونكريتية الشاهقة.

المتظاهرون لزموا بيوتهم لمتابعة مباريات كرة القدم وفوز الفريق العراقي بشق الانفس على المنتخب الفيتنامي.

اصدار البيانات والتصريحات النارية بات من النوادر وقليلا مانرى بيان يرد على بيان اخر، نحن الان امام مشهد غريب لم تشهده الساحة السياسية العراقية الجديدة منذ ٢٠٠٣، حيث ان الرئاسات الثلاث تتعاون فيما بينها بشكل واضح وملموس، رؤساء الجمهورية والوزراء ومجلس النواب بأتصال وتواصل شبه يومي لأغراض تنسيق المواقف وملاحقة المستجدات ومعالجة الاختناقات والازمات حال ظهورها، في حين كان التقاطع بين هذه الرئاسات سيد الموقف.

جولات رئيس الجمهورية في دول المنطقة و الجوار و الاستقبال الرسمي الحافل له و للوفد الحكومي المرافق معه اعاد العراق الى موقعه الحيوي في المنطقة حيث ان هذه الدول تعيد حساباته حول العراق و كيفية التعامل معه، في حين تعمل الحكومة على ترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات و اعادة هيكلة المؤسسات الحكومية بما يخدم القانون. على سبيل المثال طلبت الامانة العامة لمجلس الوزراء اكمال الاجراءات التحقيقية ضد المفوضية العليا للانتخابات ورفع طلب لمجلس النواب باقالة المفوضين واختيار مفوضين جدد، ولكن رفض رئيس مجلس الوزراء حال دون ذلك، لانه يعتقد ان المفوضية العليا للانتخابات مستقلة و ليست خاضعة لسلطة رئاسة الوزراء.

هذا الهدوء غريب بعض الشيء ما دفع النخب والقوى السياسية للتعاطي معه بشكل حذر والبحث في سبل التعامل معه، لانهم تعودوا على الصراخ و البيانات النارية و الاثارة بينما الصمت الحالي ليس معهودا و ليس من السهل التعامل معه !

بالطبع هذا لا يعني أن هذا الهدوء سيستمر طويلا، فهناك ما يكفي من تحديات قد تعصف بالهدوء وتستعيد الصراخ من جديد ومن بينها :

¤ الموازنة الاتحادية لسنة ٢٠١٩ :

قانون الموازنة الاتحادية قدم من قبل الحكومة السابقة و عدل من قبل الحكومة الحالية و تضمن مواد كثيرة من الصرفيات مثل ١٣ مليار دولار مصاريف القروض و تسديداتها، و قد احتسب سعر النفط على ٥٦ دولار للبرميل في حين وصلت سعر البيع للنفط العراقي دون الخمسين دولار للبرميل، علما كل دولار نقص في الاسعار يكلف العراق ١١٠ مليون دولار شهريا. و قد خمنت الموازنة طاقة العراق التصديرية ب ٣ مليون و ٨٨٠ الف برميل يوميا، و الانخفاض الحالي للاسعار سيكلف العراق ١٣ مليار دولار، في الوقت التي اقرار العجز ب ٢٤ مليار دولار.

الى ذلك تم اقرار موازنة اقليم كوردستان بواقع ١٢،٦ بالمائة و ليس ١٧ بالمائة كما يتنماها الكورد، بالاضافة الى المشاكل التي تتكرر في الموازنات كل سنة منها تحديد رواتب البيشمركة و تصدير النفط و تسوية الحسابات و غيرها.

تخصيص ٥ دولار للبترودولار الذي تطالب به المحافظات من دون استجابة الحكومة لهذه المطالبة وغيرها من مطاليب الخدمات و المشاريع و دفع مستحقات المقاولين و المزارعين و غيرها، هذه المواد قد تدفع بأندلاع نقاشات و خلافات حادة بين الكتل السياسية والحكومة.

¤ اكمال التشكيلة الوزارية :

يبقى الاتفاق على مرشحي وزارتي الداخلية والدفاع محل جدل و خلاف بين الكتل السياسية من جهة و رئيس مجلس الوزراء من جهة اخرى، الى جانب خلاف الكورد حول مرشح وزارة العدل، حيث يطالب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يمتلك ٢٠ مقعدا برلمانيا، في الوقت التي يصر الحزب الديموقراطي الكردستاني على تكليف مرشح مستقل ان لم يكن المرشح منهم !

كما أن هناك ملفات الفساد والمسائلة و العدالة الموجهة لعدد من الوزراء المصوت عليهم والتي قد تنتهي الى سحب الثقة منهم، و هناك مشكلة وزيرة التربية التي نالت تصويت البرلمان لكنها تجد نفسها وسط موجة كبيرة من الاعتراضات بسبب قرب عائلتها من داعش الى جانب التشكيك بعدد الاصوات التي حصلت عليها في جلسة التصويت.

سوف تطفو هذه الخلافات على السطح قريبا برغم اننا نقترب من اكتمال الكابينة الوزارية.

¤ ازمة المياه والخدمات :

يعتقد المراقبون ان ازمة المياة سوف تزداد سوءا في الصيف و عندما تبدأ تركيا بملئ سد اليسو العملاق و تقل نسبة المياه القادمة الى العراق في اشهر الصيف، والكل يعلم ان مشكلة المياه ليست جديدة لكن لم نرى لحد الان اي حل جذري بما يخص مشكلة المياه في البصرة ومدن الجنوب، و اكثر الحلول المطروحة هي حلول طويلة الامد وتحتاج لسنتين او اكثر، مايعني أن الأزمة ستشتد من جديد في الصيف القادم. من الجدير بالذكر بان الرئيس التركي قطع وعدا للرئيس برهم صالح خلال زيارته لتركيا بحل ازمة المياه التي تطفو للسطح بين الحين و الاخر و سيبعث موفدا رسميا ليمثله في هذا الملف مع العراق.

الانواء الجوية تخمن درجات حرارة عالية في الصيف القادم وسوف تعود أزمة الكهرباء تحت المجهر . ليس هناك حل سحري وجذري آني قد تقوم به وزارة الكهرباء، فمشاكل الوزارة كبيرة و عميقة و تحتاج لسنوات قادمة للوصول الى الحلول الجذرية و هذا يعني ان الصيف القادم سيشهد ذات الازمات التي ستزيد من تذمر الناس وتصاعد موجة الاحتجاجات الشعبية العارمة.

¤الحصار الأمريكي على ايران :

جولة وزير الخارجية الامريكي في المنطقة و زيارته للعراق للقاء المسؤولين العراقيين حملت في طياتها ملف العقوبات الأمريكية ومحاولة الضغط على ايران من خلال الحصار الاقتصادي ومحاولات جعل العراق جزءا من هذه الضغوطات. من الجدير بالذكر ان موقف الرئاسات العراقية كان واضحا وصريحا كون العراق لديه حدود طويلة ومصالح كبيرة مع ايران و مصلحة العراق تاتي اولا.

بعض المراقبين يعتقدون بان امريكا ستشدد حصارها في الاشهر القادمة وستحاول خلق فوضى كبيرة داخل ايران، بعد فشل هذه المساعي قد تذهب نحو الجلوس للتفاوض من جديد بدعم من الاتحاد الاوروبي. وستراتيجية ايران بهذا الصدد تتمحور حول انتظار انتخابات ٢٠٢٠ بخسارة ترمب لتبدأ حقبة جديدة من العلاقات الايرانية الامريكية في ظل ادارة جديدة.

في جميع الاحوال لا شك ان العراق سيكون بين المطرقة والسندان بما يتعلق الصراع الدائر وهذا الصراع سيكون له امتدادات داخل الساحة السياسية العراقية من خلال القوى السياسية المتعاطفة مع ايران والذين سيعملون على كسر الحصار او الضغط على الحكومة بعدم الالتزام و هذا سيقود الى جدل سياسي صاخب في الاعلام و البرلمان و ساحات التظاهر.



¤الصراعات الجانبية ومحاربة الفساد:

سياسة الحكومة الحالية تتمثل بالمضي قدما بالملف التنفيذي بعيدا عن الصراعات السياسية والتي ستفضي الى فراغ سوف تمليه الصراعات الجانبية بين الاحزاب وهو مابدا واضحا اليوم من تراشقات بين عصائب اهل الحق و تيار الحكمة والتي تمثل بوادر هذه الصراعات.

الحكومة اعلنت انها ستحارب الفساد بل ذهبت الى تشكيل مجلس أعلى لمكافحة الفساد، اذا تمكنت من مسح الغبار على الملفات المركونة على رفوف النزاهة و الادعاء العام و بدأت بتحريكها في القضاء، ستطفوا صراعات جديدة بين الاحزاب المتضررة و الحكومة و هذه الصراعات سوف تنعكس في البرلمان والاعلام الذي سيجد ضالته في مثل هذه الملفات للخوض بها علنا لتسخين الاجواء الباردة.

ما نراه اليوم من هدوء قد تصبح عاصفة و لكن الارجح انها ستستمر في النمط و المسيرة الحالية و قد نرى استقرارا نسبيا و خصوصا اذا تمكنت الحكومة من ضخ الاموال للسوق و بدأت بتحريك عجلة المشاريع التنموية و الخدمية من خلال مبادرات تطلقها بهذا الشأن.

علق هنا