'ساعة بغداد' نبوءات غريبة وصادمة ورواية مستقبلية

أحمد قاسم 

“ماما

نعم حبيبتي

تعرفين ماذا أريد منك؟

ماذا تريدين؟

ألا أكون موجودة في هذا العالم” .

عندما تولد في سنوات حرب الخليج الأولى، وتجد نفسك طفلا في ملجأ محصن ضد غارات التحالف الدولي لحرب الخليج الثانية، تعيش مراهقتك في الحصار العالمي المفروض على بلدك، ثم تصحو في شبابك على سقوط بغداد، لتواجه خطر حرب أهلية، فلا بد أن تأتي كتابتك خارج السياقات والأنساق السردية التي عرفتها الكتابة من قبلك.

هذا أقل ما يمكن قوله بصدد رواية “ساعة بغداد” للروائية العراقية شهد الراوي، حين فاجأت القراء برواية مذهلة تختلط فيها الواقعية بالأحلام والكوابيس والخيالات، في حركة سردية تشي بولادة جديدة قد نعثر عليها لاحقا في الكتابات الشابة.

الرواية الصادرة عن دار الحكمة في لندن، تبدأ من لحظة الملجأ المظلم الذي تتعثر فيه الطفلة لتسيل النار على بلاطاته الرطبة وتحرك خيالات لأشباح غريبة على جدرانه المعتمة، من هذه اللحظة تشتبك الراوية مع العالم وتطرح أسئلتها “الوجودية” البريئة، ثم تتعرف على المحيط الاجتماعي الذي تعيش بداخله، مجموعة الأهالي الهاربين من القصف إلى هذا المكان توزعهم مخيلتها على بيوت متراصة تشبه سفينة قوامها الأبراج العالية في بغداد.

الراوية وصديقتها تنامان جنبا إلى جنب، تدخل إلى أحلام صديقتها نادية وتنظفها من الأشياء الزائدة، ومن هذه الأحلام ندخل الواقع ونراقب معها سيرة الحياة في محلة بغدادية تقليدية، تضم بين سكانها مختلف شرائح المجتمع العراقي، وجميعهم ينتمون إلى الطبقة المتوسطة.

هناك قصة عمو شوكت التركماني وزوجته الكردية، وشروق التي تقع في حب خليل لكن المشعوذ يحذرها من الزواج منه، كما يحذر أهل المحلة من البقاء في هذا المكان “السفينة التي ستغرق بكم في يوم من الأيام”.

نادية وأحمد والراوية وفاروق وقصص الحب الصبيانية البريئة ومسرحها حدائق بغداد ومتنزهاتها، هجرات الجيران المتعاقبة، ودخول الغرباء إليها، الحصار والآثار النفسية والأخلاقية للمجتمع وبداية انهيار الطبقة الوسطى، الاحتلال الأميركي وتخريب ما تبقى من بنية المجتمع، هجرات متتالية تشهدها المحلة حتى تفرغ من سكانها ولا يبقى فيها سوى الكلب برياد، الذي عثر عليه عمو شوكت في بيت مهجور ليتحول إلى تمثال من الألم ويمارس انتحاره هربا من فقدان الكرامة.

الصعود إلى العالم الآخر ولقاء الأموات والحديث معهم عن الماضي السعيد، الهروب إلى بيت الجدة ومعانقة الحياة في الريف الهادئ، شخصيات معقدة وبسيطة تمضي نحو المستقبل بخوف وقلق وارتباك وضياع. لكن ماذا عن المستقبل نفسه؟

“المستقبل” هو الفصل الثاني من الرواية، حيث يتدخل الكاتب بوصفه ساردا للأحداث نيابة عن الراوية، ليفك بعض الألغاز والشفرات التي بقيت معلقة في الماضي ويتقدم بنبوءات غريبة وغير منطقية في الغالب تحقق صدماتها المتتالية لدى القارئ.

لا يمكن استيعاب الكسر والمفرقات والحوادث العرضية، إلا بداخل الرواية نفسها، التي تقدمت بها شهد الراوي لتدشن عهدا جديدا وربما جيلا جديدا من الكتابة، هذا الجيل الذي يدهشنا بسلوكياته الغريبة عنا، حيث تدافع العشرات على اقتناء الرواية

التي نفدت طبعتها الأولى خلال أيام قليلة فقط، وانتشرت صورها في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مثير، المئات من الصور لغلافها مع العلامات العمرانية في بغداد والمحافظات وكذلك في المواقع التي جرت فيها أحداث الرواية.

“ساعة بغداد” قد تكون ذات ثيمة محلية، ولكنها كتبت بأسلوب جديد هو أقرب إلى أساليب السرد العالمي من ناحية كسر نمطية تعاقب الأحداث وبلغة هي أقرب إلى العربية المترجمة عن سواها، حيث تنعدم البلاغة الروائية المعتادة في الروايات العربية.

إن شهد الراوي التي عرفت ككاتبة يوميات على مواقع التواصل الاجتماعي، تتخلى عن لغتها اليومية، وتطرح هموم جيلها في عمل أدبي لا يمكن تجاوزه عن قراءة خارطة الأدب الحديث في العراق والدول العربية كذلك.عن العرب

علق هنا